أبي طالب المكي

37

علم القلوب

يجالس الفقراء فهو كذاب ، ومن ادعى التوبة ثم تسوف بالطاعة فهو كذاب ، ومن ادعى الإخلاص ثم غضب إذا ذكر [ ت ] عيوبه فهو كذاب ، ومن ادعى العلم ثم لم يقل نومه بالليل وحرصه بالنهار ، ولم يزدد خوفه من الملك الجبار فهو كذاب . كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من ازداد علما ولم يزدد وجعا لم يزدد « 1 » بعلمه من اللّه إلا بعدا ومقتا » . فسبحان اللّه ، كيف نفتضح إذا قسنا أحوالنا بأحوال المتقدمين ، وقد انقطع هذا الطريق ، وعفا أثره ، واندرس خبره ، وعظم عند أهل المعرفة خطره ، فالرسوم موجودة ، والحقائق مفقودة ، والمعاني مصونة ، ومواضع الحقيقة منيعة ، وليس للخلق من حيث الخلق إلى الحق سبيل ، والدعاوى طويلة عريضة ، وقد أحطن مجنون بنى عامر ، حيث يقول : أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ، وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [ الإسراء : 16 ] ، ومن طلب علم التصوف بالتلقين ، فهو كمن أسس بنيانه على مسرجين ، فما أسرع ما ينهار ، كما قال الجليل في محكم التنزيل : أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ [ التوبة : 109 ] ، قال : وكان الجنيد كثيرا ينشد هذين البيتين : علم التصوف ليس علم يدركه * إلا أخو فطن بالحق معروف وليس ينصره من ليس يشهد * وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف وقال بعضهم عن السلف : سبعة من عجائب آخر الزمان : حكيم ينطق من فعله ، وعالم مستعمل بعلمه ، ووعظ لا طمع له ، ومتعبد لا علاقة له « 2 » ، وامرأة تزهد زوجها في الدنيا ، وتائب يدوم على التوبة إلى فراق الدنيا ، وصالح يعاونك في دين اللّه ، وينصحك في اللّه . وقال بعض السلف : من ترك الحرام أربعين يوما أخرج اللّه ينابيع الحكمة من قلبه ، واشتعل [ ت ] قناديل المعرفة في صدره ، وزهد في الدنيا وعرف عيوبها ، وعلم داءها من دوائها .

--> ( 1 ) في الأصل : يردده . ( 2 ) أي ليس له تعلق بشئ من زينة الدنيا ولو كان مباحا .